هل دخل إبليس سفينة نوح؟ تعرف على تفاصيل القصة

هل دخل إبليس سفينة نوح؟

في نسيج التراث الإسلامي، تحتل قصة سفينة نوح -عليه السلام- مكانة خاصة في قلوب المسلمين، ومع ذلك، نجد سؤلاً مثيراً للجدل قد أرَّق عقول الكثير من العلماء لقرون: هل دخل إبليس سفينة نوح حقاً؟ 

قصة سيدنا نُوح وسَفينَتِه هي حكايةٌ خالدة عن التدخل الإلهي وبقاء الإنسان، لذا فلننطلق في هذا المقال إلى رحلة جذابة عبر سجلات التاريخ الإسلامي، نسعى من خلالها لكشف غموض هذه السفينة، ومعرفة إذا ما كان الشيطان -في سعيه اللامتناهي للفساد- وجد طريقه إليها أم لا!

دعوة سيدنا نوح وبناؤه للسفينة

قصة سَفينَة نُوح -عليه السلام- هي واحدة من القصص الأكثر شهرة وأهمية في القرآن الكريم، إذ تحكي عن الفترة التي أرسل فيها الله نبيه نُوح -عليه السلام- إلى شعبه، لينذرهم، ويدعوهم للتوبة قبل قدوم عذاب الله بسبب فسادهم.

فقبل أن نجيب عن السؤال الأهم “هل دخل إبليس سفينة نوح؟” يجب أن نعلم أولاً سبب بناء السفينة، ومن ركب عليها، ونعرف أيضًا المزيد من التفاصيل المهمة حول تسلسل قصة نوح مع قومه.

1- عبادة قوم نوح للأصنام

فصلت مدة زمنية قدرها عشرة قرون تقريباً بين رسالة سيدنا آدم وسيدنا نوح (عليهما السلام)، وخلال هذه الفترة جاء العديد من الأقوام الذين يؤمنون بالله، ويوحدونه، ويفعلون الخير، ويعتقدون بالبعث والحساب واليوم الآخر. 

لكن مات هؤلاء الأقوام، وحزن الناس عليهم حزناً شديداً، فاستغل الشيطان ذلك ووسوس لهم بنحت تماثيل تشبههم كي لا تفنى ذكراهم من هذا العالم للأبد، وتعاقبت الأجيال حتى جاء جيل يعي الغرض من صنع هذه التماثيل جيداً، فوسوس لهم الشيطان بعبادتها، ومن هنا بدأت عبادة الأصنام كما ذكرها الله في كتابه (القرآن).

فقال تعالى: (وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلا ضَلالا) {نوح:23-24}. 

2- رسالة سيدنا نوح -عليه السلام- لقومه

لما فسد القوم وتركوا عبادة الله واتجهوا لعبادة الأصنام، أرسل الله إليهم نبيه نوح -عليه السلام- ليعيدهم إلى رشدهم، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، يدعوهم ليلاً ونهاراً وسراً وعلانية، فما ترك فيهم موضعاً إلا ودعاهم فيه إلى الله سبحانه وتعالى.

وقد جاء ذلك في القرآن في قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا *وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا) {نوح: 5-9}.

ومع كل ذلك الجهد الذي بذله سيدنا نوح -عليه السلام- معهم، إلا أن عدداً قليلاً فقط منهم هو من آمن بالله سبحانه وتعالى، أما البقية فكانوا يسخرون منه ومن دعوته، حتى يئس منهم، ودعا عليهم. 

يقول الله تعالى: (وقَاَلَ نُوح رَبِ لَا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاَرًا * إِنَّكَ إنْ تَذَرْهُم يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاِجراً كَفَّارًا) {نوح: 26-27}.

3- سبب بناء السفينة وهلاك القوم

قبل البحث عن إجابة سؤال “هل دخل إبليس سفينة نوح؟” يجب أن نبحث أولاً عن الأسباب التي دعت لبناء السفينة ومراحل بنائها.  

فقد استجاب الله سبحانه وتعالى لدعاء نبيه، ووعده بهلاك القوم، ولكن أمره ببناء السفينة أولاً لتكون ملجئاً آمناً له ولمن آمن معه، فتمنعهم من العذاب، فقال الله تعالى: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ) {هود:37}.

وكان عذاب الله الموعود هو أن يأتي الطوفان فلا يترك على الأرض خبثاً إلا انتزعه، فاتفق الله مع نوح عليه السلام على إشارةٍ بينهم وهي أن يفور التنور.

فلما أخبرته زوجته بذلك، ركب إلى السفينة وأخذ معه المؤمنين من أهله وقومه، وأخذ أيضًا اثنين من كل زوجٍ من الحيوانات كما أمره الله سبحانه وتعالى في كتابه: (حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) {هود:40}.

هل دخل إبليس سفينة نوح؟

ألّف الله بين قلوب الحيوانات حتى ركبوا السفينة جميعاً، وكان آخر من ركب منهم هو الحمار، فبعد دخول صدره إلى السفينة، تعلّق إبليس بذنبه، فلم يستطع الحمار رفع رجليه، وكان جزئه السفلي خارج السفينة، فمكث يأمره سيدنا نوح -عليه السلام- بالدخول وهو لا يستطيع، حتى ذل لسانه فقال: (ادخل حتى وإن دخل معك إبليس)، وبهذا تمكن إبليس اللعين من الدخول إلى السفينة متعلقاً بذنب الحمار. 

ولما سارت السفينة، وجد سيدنا نوح -عليه السلام- الشيطان معهم، فقال له: (ما أدخلك يا عدو الله؟ فقال: ألم تقل ادخل وإن كان الشيطان معك؟ فتركه). 

اقرأ أيضًا: صرخات إبليس الأربعة

الأدلة على ركوب إبليس سفينة نوح

عند البحث عن إجابة سؤال: هل دخل إبليس سفينة نوح؟ نجد أن القرآن الكريم لم يذكر أدلة صريحة تُثبت صحة ذلك أو تنفيه، وإنما يعتمد الأمر عن ما تناقله الصحابة والعلماء من إسرائيليات. 

ولعل من أهم هذه الأدلة هو ما ذُكر على لسان أبو بكر بن عبيد إذ قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن موسى، حدثنا جعفر بن سلمان، حدثنا عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير، حدثنا سالم بن عبد الله عن أبيه قال: لما ركب نوح السفينة رأى فيها شيخاً لم يعرفه، قال له نوح: ما أدخلك؟ 

قال: دخلت لأصيب قلوب أصحابك فتكون قلوبهم معي وأبدانهم معك، قال نوح: اخرج يا عدو الله. فقال: خمس أهلك بهن الناس وسأحدثك منهن بثلاث ولا أحدثك باثنتين، فأُوحي إلى نوح لا حاجة بك إلى الثلاث مُره يحدثك بالثنتين فإن بهما أهلك الناس، وقال هما الحسد وبالحسد لُعنت وجُعلت شيطاناً رجيماً، والحرص أباح لآدم الجنة كلها فأصبت حاجتي منه بالحرص.

وحدثنا القاسم بن هاشم، حدثنا أحمد بن يونس البزاز الحمصي، حدثنا عبد الله بن وهب عن الليث قال: بلغني أن إبليس لقي نوحاً عليه السلام، فقال له إبليس: يا نوح اتقِ الحسد والشح، فإني حسدت فخرجت من الجنة، وشح آدم على شجرة واحدة منعها حتى خرج من الجنة. 

واستكمالًا للإجابة عن هل دخل إبليس سفينة نوح فقد ذكر البعض أنه يُروى عن ابن عباس أن أول ما دخل السفينة من الطيور الدرة، وآخر ما دخل من الحيوانات الحمار ودخل إبليس متعلقاً بذنب الحمار والله تعالى أعلم.

هل هناك أحاديث نبوية تثبت صحة قصة إبليس مع نوح عليه السلام؟

هل دخل إبليس سفينة نوح؟ تعرف على تفاصيل القصة 1

عندما نبحث عن إجابة سؤال “هل دخل إبليس سفينة نوح؟” في السنة النبوية، نجد أنه ورد ذكر دخول الشيطان سفينة نوح في حديث صحيح واحد فقط، وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لما أُمر نوح عليه السلام ببناء الفلك، قال الشيطان: والله لأُغرقن على الفلك من يأتي بآخر ذرية).

هذا حديث صريح عن أن الشيطان كان ينوي إغراق السفينة، وهذا يدل على أنه كان ينوي دخولها، ويرى بعض العلماء أن هذا الحديث دليل على أن الشيطان دخل السفينة بالفعل، لأنه لو لم يدخلها لما استطاع إغراقها.

ولكن هناك بعض العلماء الذين يرون أن هذا الحديث لا يُثبت دخول الشيطان السفينة، لأنه لا يشير إلى ذلك صراحة، ويرون أن الشيطان كان ينوي إغراق السفينة من الخارج، عن طريق إحداث ثقوب فيها أو عن طريق إيقاع الخوف في نفوس ركابها.

كيف نتعامل مع الإسرائيليات؟

جاءت الإجابة عن “هل دخل إبليس سفينة نوح؟” في الإسرائيليات كما ذكرنا، وتُعرف الإسرائيليات بالأحاديث والروايات التي تأتي من مصادر غير إسلامية، مثل: الكتب اليهودية والمسيحية (سُميت بالإسرائيليات نسبةً لبني إسرائيل).

ويتعين على المسلمين التعامل مع الإسرائيليات بحذر، فقد أخبرنا سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) بألا نكذبها وألا نصدقها، إذ قال: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم) – رواه البخاري.

وقال ابن حجر في “فتح الباري”: ولا تكذبوهم، أي إذا كان ما يخبرونكم به محتملاً، لئلا يكون في نفس الأمر صدقاً فتكذبوه، أو كذباً فتصدقوه فتقعوا في الحرج.

ولكن يجوز التحدث بها من باب النصح والإرشاد، دون القطع بحتمية الروايات لقوله صلى الله عليه وسلم: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) – رواه البخاري.

وجاء في “التيسير بشرح الجامع الصغير” للمناوي: ولا حرج، أي لا ضيق عليكم في التحديث به إلا أن يعلم أنه كذب. 

هل تُقبل توبة إبليس؟

هل تقبل توبة إبليس؟

بعد الإجابة عن “هل دخل إبليس سفينة نوح؟” لعلك تتساءل عن توبة إبليس، وقد قال ابن عبيد: حدثني إسحاق بن إسماعيل، حدثنا جرير عن الأعمش عن زياد بن الحصين عن أبي العالية قال: لما رست السفينة -سفينة نوح- إذا هو بإبليس على كوثل السفينة، فقال له نوح: ويلك قد غرق أهل الأرض من أجلك قد أهلكتهم.

قال له إبليس: فما أصنع؟ قال له: تتوب، قال: فسل ربك عزَّ وجلّ: هل لي من توبة؟ فدعا نـوح فأوحى الله إليه أن توبته أن يسجد لقبر آدم، فقال له نوح: قد جعلت لك توبة، قال: وما؟ قال: أن تسجد لقبر آدم، قال: تركته حياً وأسجد له ميتاً! 

وبهذا رفض إبليس التوبة عن أفعاله وتمادى في عناده، مما يعني أنه سيظل ملعوناً إلى قيام الساعة. 

اقرأ أيضًا: تكليف الجن: هل الجن مكلف بنفس عبادات الإنس؟

الخلاصة

في نهاية هذا الاستكشاف العقائدي والثقافي حول مسألة هل دخل إبليس سفينة نوح نجد أن هذا السؤال يبقى محورًا للنقاش داخل التراث الإسلامي.

إن القصة نفسها تحمل رسالة أسمى حول الإيمان، الطاعة، والتوبة. إنها تشير إلى القوة الإلهية التي تتدخل لإنقاذ البشرية من الغرق في الفساد والمعصية، وبغض النظر عن موقف الفرد من مسألة دخول الشيطان إلى السَفينَة، يظل من المهم أن نستفيد من هذه القصة كمصدر للتأمل والتعلم.

في النهاية، نجد أن قصة سَفينَة نُوح -عليه السلام- ليست مجرد حكاية أسطورية قديمة، بل هي رمز للأمل والتوبة، وتذكير بقوة الإيمان، والعون الإلهي. إنها تعكس جوهر الديانة الإسلامية والرسالة الأكبر للبحث عن الحقيقة والسعي للتقرب إلى الله.

المصادر

كتاب آكام المرجان في أحكام الجان

كتاب الكامل في التاريخ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *